ابن قيم الجوزية
96
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
المدعو إلى الفاحشة مع كمال جمال الداعي ومنصبه وصبر المتحابين في الله على ذلك في حال اجتماعهما وافتراقهما وصبر الباكي من خشية الله على كتمان ذلك واظهاره للناس من أشق الصبر ولهذا كانت عقوبة الشيخ الزاني والملك الكذاب والفقير المحتال أشد العقوبة لسهولة الصبر عن هذه الأشياء المحرمات عليهم لضعف دواعيها في حقهم فكان تركهم الصبر عنها مع سهولته عليهم دليلاً على تمردهم على الله وعتوهم عليه . ولهذا كان الصبر عن معاصي اللسان والفرج من أصعب أنواع الصبر لشدة الداعي إليهما وسهولتهما فإن معاصي اللسان فاكهة الانسان كالنميمة والغيبة والكذب والمراء والثناء على النفس تعريضاً وتصريحاً وحكاية كلام الناس والطعن على من يبغضه ومدح من يحبه ونحو ذلك فتتفق قوة الداعي وتيسر حركة اللسان فيضعف الصبر ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ : ( أمسك عليك لسانك ) فقال : وإنا لمؤاخذون بما نتكلم فقال : ( وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ) ولا سيما إذا صارت المعاصي اللسانية معتادة للعبد فإنه يعز عليه الصبر عنها ولهذا تجد الرجل يقوم الليل ويصوم النهار ويتورع من استناده إلى وسادة حرير لحظة واحدة ويطلق لسانه في الغيبة والنميمة والتفكه في أعراض الخلق وربما خص أهل الصلاح والعلم بالله والذين والقول على الله مالا يعلم . وكثير ممن تجده يتورع عن الدقائق من الحرام والقطرة من الخمر ومثل رأس الإبرة من النجاسة ولا يبالي بارتكاب الفرج الحرام كما يحكي أن رجلاً خلا